لماذا تبقى بعض اللحظات معنا للابد بينما تختفي أيامٌ كاملة من ذاكرتنا؟
هذه ليست مجرد ملاحظه عابرة بل سؤال معرفي يفتح أبوابًا نحو فهم طبيعه الذاكرة البشرية.
هذه ليست مجرد ملاحظه عابرة بل سؤال معرفي يفتح أبوابًا نحو فهم طبيعه الذاكرة البشرية، الزمن النفسي، وتفاعل الشعور مع الحدث.
لذلك كباحث في “اللازمن” قررت التوقف عنده وطرحت على نفسي : ما الذي يجعل لحظة واحدة تتشبث في وعينا بينما تختفي أيام كاملة وكأنها لم تكن؟
الجواب ليس بسيطاً لكنه يبدأ من هنا :
اولا:-الذاكرة لا تخزن الزمن… بل الأثر العاطفي
بحسب دراسات علم الأعصاب (Neuroscience)، فإن الدماغ البشري لا يسجل كل ما يحدث بالتفصيل، بل يُخزّن فقط ما يحمل قيمة شعورية أو إدراكية عالية…معنى آخر: العاطفة هي مفتاح التثبيت في الذاكرة.
الباحث {جوزيف ليدوكس} في جامعة نيويورك، يقول:
“العاطفة تصبغ الحدث بلونٍ داخلي، وإذا كانت قوية كفاية، فإن الدماغ يربطها مباشرة بمنطقة تُسمى الحُصين، المسؤولة عن تشكيل الذكريات طويلة المدى.”
لهذا السبب، تذكّرنا لأول مرة خذلنا فيها أحد، أو نظرة شخص معين، أو كلمة غيّرت فينا شيء… أسهل بكثير من تذكر ماذا أكلنا قبل ثلاثة أيام.
ثانيا:- الزمن النفسي ≠ الزمن الكرونولوجي
الزمن الذي نعيشه ليس هو الزمن الذي نشعر به.
علم النفس يُسمي هذا بـ"الزمن الذاتي” (Subjective Time) تتسارع الأيام حين نعيشها بتكرار ورتابة، وتتوقف اللحظات حين يشعر الوعي أنه يواجه شيء غير معتاد.
تكرار الأحداث اليومية يجعل العقل يدخل في حالة “الاقتصاد الإدراكي”، فيخفض من تركيزه بينما المفاجأة، الحُب، الخوف، الاندهاش… كلها تدفع العقل إلى تسجيل التفاصيل بدقة عالية.
ولهذا، الأيام العادية تختفي لأنها ”مسطّحة شعوريًا”
أما اللحظات الخاصة فتبقى لأنها “مرتفعة التأثير عاطفيًا ومعرفيًا”
ثالثاً:- الذاكرة تركيبة بين الكيمياء والإدراك
عند لحظة الانفعال (صدمة، دهشة، محبة، توتر…)، يتم إفراز مواد مثل الأدرينالين والنورأدرينالين وهي تعزز من قدرة الدماغ على تخزين الحدث.
وبالتالي العاطفة تعمل كـ”مُحفّز كيميائي” لذاكرة قوية.
بينما في لحظات الملل أو التكرار لا يتم إفراز هذه المواد بنفس القوة وبالتالي لا تُخزن الأحداث بفعالية.
رابعاً:- المعنى هو ما يصنع الخلود داخل الذاكرة
ربما…أعمق إجابة ليست بيولوجية بل فلسفية:
اللحظة التي تمنحنا معنى تبقى
والوقت الذي نعيشه بلا معنى… يتلاشى.
هذا ما توصلت إليه بعد تحليل عدة تجارب شخصية وسرديات من الآخرين فالإنسان لا يعيش الوقت بل يعيش القيمة التي يمنحها لهذا الوقت.
الخلاصة:-
•الذاكرة البشرية انتقائية وتعتمد على قوة الشعور لا على طول الحدث.
•• التكرار يخلق نسيانًا بينما الاستثناء يخلق ثباتًا.
•••الزمن النفسي أعمق من الزمن الظاهري.
••••وأخيرًا الوعي هو من يقرّر أي لحظة تستحق أن تعيش..حتى بعد أن تنتهي.
أنا ما أكتب هذه النشره لأجيب بل لأربط بين علم الأعصاب، فلسفة الزمن، والسؤال البسيط الذي بدأ كل شيء:
“ليه بعض اللحظات تبقى؟ وبعض الأيام تختفي؟”
لأني أؤمن أن كل سؤال صغير…
قد يقود إلى اتساع لا نهائي من الفهم.
—







Ммии
ما أعتقد أنه قد يكون فريدًا في هذا المنظور هو تأطير الزمن ليس كبُعد كوني أو مادي في حد ذاته، بل كخاصية ناشئة للوعي المُدرِك للتغيير.
مثل الموسيقى، لا وجود لها حقًا بدون اذن تسمعها. انها ليست كيانًا مستقلًا يتدفق خارجنا، بل هو إيقاع يبنيه الوعي المُدرك للتغيير.
مقالك شدني واكثر من رائع
لدي اطروحه قدمتها في برنامج Cosmos
تشرفني زيارتك ويهمني اسمع رايك فيها